ملا محمد مهدي النراقي
126
انيس المجتهدين في علم الأصول
الذي هو قدر مشترك بين جميعها ، وأيّتها وجدت يتحقّق القدر المشترك فيها ، فلا يجب فعل كلّ واحد من الأفراد ؛ لتحقّق المأمور به بدونه ، ولا فعل واحد معيّن منها ؛ لعدم تعلّق الوجوب به بخصوصه ، ولا يجوز الإخلال بكلّ واحد منها لا إلى بدل ؛ لعدم تحقّق المأمور به حينئذ ؛ فالواجب حينئذ واحد منها لا على التعيين . فالتخيير حينئذ بين الأفراد ، بمعنى أنّ المكلّف مخيّر بين كلّ واحد منها وبين الأفراد الأخر ، وأيّها فعل كان واجبا بالأصالة ، ولا يتخيّر بين المأمور به الذي هو القدر المشترك والمفهوم الكلّي ؛ لأنّه أمر واحد لا تعدّد فيه حتّى يعقل التخيير فيه . وهذا هو الذي اختاره أصحابنا « 1 » ورؤساء المعتزلة « 2 » . والدليل عليه الإجماع ، والتنصيص عليه في موارد مخصوصة ، وهي لا تحتمل سوى التخيير ؛ لأنّه إذا قال رجل لغيره : « افعل أحد هذين ، واختر أيّهما شئت ، ولا يجوز لك تركهما معا ، ولا يجب عليك فعلهما معا » لا يفهم منه سوى التخيير بالمعنى الذي ذكرناه . وذهب الأشاعرة إلى أنّ الواجب واحد غير معيّن يتعيّن بفعل المكلّف « 3 » . والظاهر - كما قال الإمام الرازي « 4 » - إنّ هذا راجع إلى مذهب التخيير ، فلا نزاع معنى . ولو أرادوا غيره ، فلا ريب في بطلانه . وقال بعض المعتزلة : الواجب هو الجميع ، ولكن يسقط بواحد « 5 » . ويدلّ على فساده أنّه لو وجب الجميع ، لكان اللازم الإتيان به ، ولم يبق للتخيير حينئذ معنى . ولا أدري من أين يفهم من موارد التخيير وجوب الجميع وإسقاطه بواحد ؛ فإنّه لا دلالة عليه بواحدة من الثلاث . وقال بعض : إنّ الواجب واحد معيّن ، لكن يسقط به وبكلّ واحد من الأفراد الأخر « 6 » .
--> ( 1 ) . منهم : السيّد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة 1 : 88 ، والعلّامة في مبادئ الوصول : 102 ، والشهيد الثاني في تمهيد القواعد : 51 ، القاعدة 9 . ( 2 ) . منهم البصري في المعتمد 1 : 77 ، ونسبه أيضا إلى أبي علي وأبي هاشم في ص 79 ، والفخر الرازي في المحصول 2 : 159 . ( 3 ) . حكاه الفخر الرازي في المحصول 2 : 159 ، والآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 1 : 141 ، والشيخ حسن في معالم الدين : 72 . ( 4 ) . المحصول 2 : 159 . ( 5 ) . حكاه الباجي عن محمّد بن خويزمنداد في إحكام الفصول : 97 و 98 . ( 6 ) . راجع منهاج الأصول ، المطبوع مع نهاية السؤل 1 : 142 .